فخر الدين الرازي
306
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
إلا بتخليقه وتكوينه والرجس الذي يقابل الإيمان ليس إلا الكفر ، فثبت دلالة هذه الآية على أن الكفر والإيمان من اللَّه تعالى . أجاب أبو علي الفارسي النحوي عنه فقال : الرجس ، يحتمل وجهين آخرين : أحدهما : أن يكون المراد منه العذاب ، فقوله : وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ أي يلحق العذاب بهم كما قال : وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ [ الفتح : 6 ] والثاني : أنه تعالى يحكم عليهم بأنهم رجس كما قال : إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ [ التوبة : 28 ] والمعنى أن الطهارة الثابتة للمسلمين لم تحصل لهم . والجواب : أنا قد بينا بالدليل العقلي أن الجهل لا يمكن أن يكون فعلا للعبد لأنه لا يريده ولا يقصد إلى تكوينه ، وإنما يريد ضده ، وإنما قصد إلى تحصيل ضده ، فلو كان به لما حصل إلا ما قصده وأوردنا السؤالات على هذه الحجة وأجبنا عنها فيما سلف من هذا الكتاب . وأما حمل الرجس على العذاب ، فهو باطل ، لأن الرجس عبارة عن الفاسد المستقذر المستكره ، فحمل هذا اللفظ على جهلهم وكفرهم أولى من حمله على عذاب اللَّه مع كونه حقا صدقا صوابا ، وأما حمل لفظ الرجس على حكم اللَّه برجاستهم ، فهو في غاية البعد ، لأن حكم اللَّه تعالى بذلك صفته ، فكيف يجوز أن يقال إن صفة اللَّه رجس ، فثبت أن الحجة التي ذكرناها ظاهرة . [ سورة يونس ( 10 ) : آية 101 ] قُلِ انْظُرُوا ما ذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ ( 101 ) [ في قوله تعالى قُلِ انْظُرُوا ما ذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ] في الآية مسائل : المسألة الأولى : قرأ عاصم وحمزة قُلِ انْظُرُوا بكسر اللام لالتقاء الساكنين والأصل فيه الكسر ، والباقون بضمها نقلوا حركة الهمزة إلى اللام . المسألة الثانية : اعلم أنه تعالى لما بين في الآيات السالفة أن الإيمان لا يحصل إلا بتخليق اللَّه تعالى ومشيئته ، أمر بالنظر والاستدلال في الدلائل حتى لا يتوهم أن الحق هو الجبر المحض فقال : قُلِ انْظُرُوا ما ذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ . واعلم أن هذا يدل على مطلوبين : الأول : أنه لا سبيل إلى معرفة اللَّه تعالى إلا بالتدبر في الدلائل كما قال عليه الصلاة والسلام : « تفكروا في الخلق ولا تتفكروا في الخلق » والثاني : وهو أن الدلائل إما أن تكون من عالم السماوات أو من عالم الأرض ، أما الدلائل السماوية ، فهي حركات الأفلاك ومقاديرها وأوضاعها وما فيها من الشمس والقمر والكواكب ، وما يختص به كل وأحد منها من المنافع والفوائد ، وأما الدلائل الأرضية ، فهي النظر في أحوال العناصر العلوية ، وفي أحوال المعادن وأحوال النبات وأحوال الإنسان خاصة ، ثم ينقسم كل واحد من هذه الأجناس إلى أنواع لا نهاية لها . ولو أن الإنسان أخذ يتفكر في كيفية حكمة اللَّه سبحانه في تخليق جناح بعوضة لا نقطع عقله قبل أن يصل إلى أقل مرتبة من مراتب تلك الحكم والفوائد . ولا شك أن اللَّه سبحانه أكثر من ذكر هذه الدلائل في القرآن المجيد ، فلهذا السبب ذكر قوله : قُلِ انْظُرُوا ما ذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ولم يذكر التفصيل ، فكأنه تعالى نبه على القاعدة الكلية ، حتى إن العاقل يتنبه لأقسامها وحينئذ يشرع في تفصيل حكمة كل وأحد منها بقدر القوة العقلية والبشرية ، ثم إنه تعالى لما أمر بهذا التفكر والتأمل بين